فوجئ كريم بالتغيير، رأيت في عينه نظرة تساؤل: “من أين جاءت بهذه القوة؟”.
وفي ليلة، وبينما كان يستعد للخروج، قلت له بهدوء وثقة: “الفاتورة اللي في جيبك، والخاتم اللي اشتريته.. يا ترى هتقدمهولها بصفتك زوج، ولا مجرد واحد بيحاول يهرب من مسؤوليته؟”
ارتبك وسقط الهاتف من يده، وفي تلك اللحظة، رن هاتفه.. كان المتصل “ماما”.
نظرت إليه بدهشة.. لماذا تتصل أمي به في هذا الوقت؟ ولماذا يبدو عليه الرعب؟
سحبت الهاتف من يده وفتحت الخط.. وجاءني صوت أمي وهي تبكي وتقول: “الحقني يا كريم.. سارة عرفت كل حاجة؟”
**يتبع…**
سقط الهاتف من يدي على السرير، وصوت أمي لا يزال يتردد في أذني وهي تبكي. شعرت بالدنيا تدور بي، هل أمي شريكة فيما يحدث؟ هل كانت تعلم بخيانته وتساعده؟
نظرت إلى كريم، كان وجهه شاحباً كالموتى، يحاول استجماع كلماته: “سارة.. اهدي.. الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة، أمك كانت خايفة عليكي.”
صرخت فيه والدموع تحرق عيني: “خايفة عليا؟ خايفة عليا فبتقولك اشتكيلي وفضحيني؟ خايفة عليا وهي عارفة إنك بتعرف ست تانية وبتشتريلها دهب؟”
خطفت الهاتف واتصلت بأمي، ردت بصوت مرتعش: “يا بنتي اسمعيني..”
قلت لها بحسم: “أنا جاية لك يا ماما.. دلوقت حالا.”
أخذت أحمد ومريم، ورغم توسلات كريم ومنعه لي، خرجت من البيت والنهار لم يطلع بعد. طول الطريق وأنا أسأل نفسي: كيف للأم التي كانت ملاذي أن تتحول لسيف على رقبتي؟
وصلت لبيت أمي، دخلت ووجدت وجهها محمراً من البكاء. لم أنتظر سلاماً ولا كلاماً، أخرجت فاتورة المجوهرات وزجاجة العطر التي كنت قد خبأتها في حقيبتي: “فهميني يا أمي.. كريم بيخونني، وإنتي كنتي بتساعديه يكسرني بكلامك السم عشان يسكتني؟”
انهارت أمي على الكرسي وقالت كلاماً لم أتوقعه: “كريم مجنون يا سارة.. جالي من ٤ شهور وهو فاقد أعصابه، قالي إنه غلط غلطة كبيرة مع واحدة في الشغل، والست دي بدأت تهدده وتطلب فلوس ودهب، وإلا هتيجي تخرب بيته وتعرفك.”
صمتت قليلاً لتلتقط أنفاسها وكملت: “قالي يا طنط ساعديني أبعد سارة عني الفترة دي، خليها تكرهني أو تنشغل في زعلها مني عشان ما تحسش باللي بيحصل حواليها وبالتليفونات اللي بتجيلي ليل نهار.. أنا طلبت منه يمثل الدور ده عشان يحميكي من الصدمة، وعشان الست دي لما تشوفكم متخانقين تفتكر إن مفيش حاجة تخسرها وتنسحب.”
نظرت لها بذهول: “وتقومي تقوليلي إني معفنة؟ تخليه يذلني في نضافتي وكرامتي عشان ‘تحميني’ من خيانته؟ إنتي دمرتيني يا أمي.. خليتيني أشك في نفسي وفي أنوثتي وفي كل حاجة!”
قالت أمي وهي تمسح دموعها: “كنت فاكرة إن الوجع ده أخف من وجع الخيانة.. كريم بيحبك يا بنتي، وكان بيحاول يحل المصيبة اللي وقع فيها من غير ما تعرفي.”
في تلك اللحظة، رن جرس الباب بعنف. كان كريم.
دخل وهو ينهج، نظر لأمي ثم نظر لي، وقال بصوت مكسور: “سارة، الست دي مجنونة.. هي دلوقت تحت البيت، وبتقول لو مانزلتش هتدخل تفضح كل حاجة قدام الجيران.”
وقفت مكاني، شعرت بقوة غريبة تسري في جسدي. لم أعد تلك الزوجة المهملة التي تبكي من كلمة “ريحة عرق”.
قلت له ببرود: “خليها تطلع.. أنا اللي هقابلها.”
**يتبع…**
## الجزء الرابع
وقف كريم مكانه كالمصعوق، لم يتوقع أنني سأطلب مواجهتها. حاول الإمساك بيدي وهو يتوسل: “سارة، بلاش.. دي ست مريضة وممكن تعمل أي حاجة، أنا هحل الموضوع والله.”
نفضت يده عني بقوة لم يعهدها مني، ونظرت له بنظرة جعلته يتراجع للخلف: “تحل إيه؟ إنت بقالك ٤ شهور بتغرقني في القرف والوهم عشان تهرب من غلطتك.. دلوقت أنا اللي هحل.”
نزلت السلم بخطوات ثابتة، وأمي تنادي عليّ من الأعلى بصوت يملؤه الرعب. وقفت أمام مدخل العمارة، كانت هناك سيارة تقف على الجانب، وبداخلها امرأة تضع مساحيق تجميل صاخبة، تماماً كما تخيلت من رائحة العطر “الثقيلة”.
بمجرد أن رأتني، نزلت من السيارة بابتسامة مستفزة وقالت: “إنتي بقى سارة؟ بصراحة، كريم كان عنده حق يهرب من البيت.. إنتي شكلك فعلاً تعبان خالص.”
لم تهتز فيّ شعرة. اقتربت منها ببرود تام حتى أصبحت المسافة بيننا سنتيمترات، وقلت بصوت منخفض وواضح: “أنا سارة اللي كريم خاف يعرفها الحقيقة، مش عشانك، عشان هو عارف إنك مجرد نزوة رخيصة وغلطة بيحاول يمسحها.. الفاتورة والدهب اللي معاكي؟ دول تمن سكوتك، مش تمن حبك يا شاطرة.”
تغيرت ملامحها وبدأ الصراخ يعلو: “دهب إيه؟ كريم بيحبني وهيتجوزني.. هو قالي إنه مش طايق ريحتك ولا طايق البيت بسببك!”
ضحكت بسخرية وقلت لها: “كريم قال كده عشان يرضي غرورك وانتي بتنفذيله اللي هو عايزه.. لكن تحبي تعرفي الحقيقة؟ كريم دلوقت فوق بيعيط تحت رجل أمي عشان يرجعلي.. أما إنتي، فالفاتورة اللي معاكي أنا صورتها، ومبلغ الابتزاز اللي كنتي بتطلبيه متسجل.. تحبي نكمل كلامنا في القسم ولا تنسحبي بكرامتك اللي فاضل منها رتوش؟”
بهتت المرأة، لم تكن تتوقع أنني أملك دليلاً أو أنني بهذه القوة. نظرت إلى شرفة الشقة حيث كان كريم يراقب الموقف برعب، ثم ركبت سيارتها وانطلقت بسرعة جنونية.
التفتُّ لأجد كريم يقف خلفي في مدخل العمارة، وجهه لا يفسره إلا الخزي.
قال بصوت مخنوق: “سارة.. أنا..”
قاطعته بإشارة من يدي: “أوعى تنطق اسمي.. إنت مش بس خنتني، إنت بعت كرامتي لأمي، وخليت أقرب الناس ليا تبصلي بنظرة لوم وقرف عشان تداري على قذارتك.. إنت متخيل إن ‘ريحة العطر’ اللي كنت بتعايرني بيها هي اللي هتنسيني إنك كنت بتهرب من مسؤليتك في حضن واحدة تانية؟”
قال وهو يبكي: “أنا كنت خايف عليكي يا سارة، الست دي كانت بتهددني بصور وشات، كنت بحاول أحميكي.”
قلت له بابتسامة مرة: “كنت بتحميني وإنت بتقول لأمي إني ‘معفنة’؟ كنت بتحميني وإنت مهددني بالجواز عليا؟ الحماية دي وجعتني أكتر من الخيانة نفسها يا كريم.”
تركتُه ودخلت العمارة، لكنني لم أصعد لأمي. أخذت أطفالي “أحمد” و”مريم” وتوجهت إلى مكان لم يتوقعه أحد.. مكان سيقلب الموازين تماماً في الجزء القادم.
خرجتُ من العمارة وأنا أحمل مريم على كتفي وأمسك يد أحمد، وكريم يركض خلفي في الشارع كالمجنون: “سارة! رايحة فين في وقت زي ده؟ سارة ردي عليا!”
لم ألتفت خلفي. استوقفتُ سيارة أجرة وطلبت من السائق التوجه إلى بيت والدي القديم، البيت الذي ورثته عنه في منطقة هادئة بعيداً عن صخب الزحام، والذي كنتُ قد أجرته لسنوات لأسرة رحلت منذ شهر واحد فقط.
وصلتُ هناك، وضعتُ العيال في الغرفة الوحيدة التي كانت تحوي بعض الأثاث البسيط. صمتٌ رهيب ساد المكان، لكنه كان صمتاً مريحاً. لأول مرة منذ شهور، لا أشم رائحة القرف في عيني كريم، ولا أسمع صوت أمي وهي تلومني على “إهمالي”.
فتحتُ حقيبتي، أخرجتُ هاتفي.. وجدتُ عشرات المكالمات من كريم ومن أمي. قمتُ بحظر رقم كريم فوراً، أما أمي.. فأرسلتُ لها رسالة واحدة:
> “يا ماما، اللي بيحب حد بجد بيسنده، مش بيعرّيه قدام اللي بيظلمه. أنا مش زعلانه منك، أنا مكسورة من اللي عملتيه.. ارتاحي، أنا والعيال بخير.”
>
قضيتُ ليلتي وأنا أفكر. هل سأستسلم؟ هل سأعود لكريم لمجرد أن “الخيانة كانت غلطة”؟ لا. الوجع لم يكن في الست الأخرى، الوجع كان في الوسيلة التي اختارها ليداري بها عيبه. اختار “أنوثتي” ليطعنني فيها.
في الصباح، فوجئتُ بجرس الباب يَرن. قلبي دقّ بسرعة.. هل هو كريم؟
فتحتُ الباب، لكنها لم تكن هو. كانت “هبة” صديقتي، ومعها محامٍ شاب.
قالت هبة وهي تضمّني: “أنا عارفة إنك هنا.. ده بيت أبوكي وملاذك الوحيد. سارة، كريم مش هيسكت، والست دي مش هتسيب حقها في الذهب والفلوس اللي دفعتهم.”
المحامي قال لي جملة جعلت الدماء تتجمد في عروقي: “يا مدام سارة، كريم مش بس كان بيتدفع لها فلوس.. كريم مضى لها على وصلات أمانة بمبالغ كبيرة جداً عشان تستر عليه، والوصلات دي دلوقت بقت في إيد شخص تاني خالص.”
سألتُ بذهول: “مين الشخص ده؟”
رد المحامي: “أخو الست دي.. وهو شخص سوابق، وبدأ يهدد كريم إنه يا إما يدفع مبالغ خيالية، يا إما هيسجنه.. كريم دلوقت مهدد بالسجن، وده السبب الحقيقي إنه راح اشتكى لوالدتك، كان عايزها تبيع نصيبها في البيت أو تديله فلوس بحجة إنه هيتجوز عليكي عشان ‘ينضف’ نفسه من الفضيحة اللي هو فيها.”
ضحكتُ بهستيريا.. يا للهول! كل تلك الدراما عن نضافتي الشخصية واستحمامي، كانت مجرد مقدمة لطلب “فلوس” من أمي لإنقاذه من السجن!
قلت للمحامي بصوت جامد: “يعني هو كان بيبيع كرامتي لأمي بالقطعة عشان يلم ثمن غلطته؟”
في تلك اللحظة، رنّ جرس الباب مرة أخرى، لكن المرة دي كان الخبط عنيفاً.. وصوت صراخ كريم من الخارج: “افتحي يا سارة! البيت محاصر! هما هيقتلونني لو ما دفعتش!”
نظرتُ من العين السحرية، ورأيتُ خلف كريم ثلاثة رجال وجوههم لا تبشر بالخير..
**يتبع…**
تراجعتُ عن الباب وأنا أشعر برعشة في أوصالي، ليس خوفاً على كريم، بل خوفاً على طفليّ اللذين استيقظا على صوت الخبط العنيف. كريم كان يصرخ في الخارج بكلمات غير مفهومة، والرجال خلفه يطالبونه بفتح الباب والدخول “للتفاهم”.
نظرتُ للمحامي وهبة، كان المحامي هادئاً بشكل غريب. قال لي بصوت منخفض: “ماتفتحيش يا مدام سارة.. أنا طلبت الشرطة من أول ما شفتهم في مراية العربية وأنا داخل.”
فجأة، سكت صوت كريم، وحلّ محله صوت اشتباك وعراك في الممر. لم أحتمل، نظرتُ من العين السحرية مرة أخرى.. رأيت كريم ملقى على الأرض وأحد الرجال يمسكه من قميصه ويقول له: “بقيت بتستخبى في بيت النسوان يا كريم؟ فين الوصلات؟ فين الفلوس اللي وعدت بيها؟”
فتحتُ الباب فجأة. صرخت هبة: “إنتي بتعملي إيه يا سارة؟”
وقفتُ على أعتاب الباب والقوة التي سكنتني ليلة أمس عادت تشتعل. قلت للرجل الذي يمسك بكريم: “سيبه.. سيبه وارحل من هنا قبل ما البوليس يوصل.”
ضحك الرجل بسخرية: “وإنتي مين يا ست الحسن؟ المدام اللي ريحتها قالبه الدنيا؟” ثم نظر لكريم وضحك: “بصراحة يا كريم، طلعت بتعرف تألف قصص.. دي زي الفل أهي، أومال كنت بتقول لأمها إنك قرفان منها ليه؟ عشان تدينا الفلوس من وراها؟”
نظرتُ لكريم، كان ينظر للأرض بخزي لا يوصف. في هذه اللحظة، ظهرت سيارة الشرطة في أول الشارع. ارتبك الرجال وفروا هاربين عبر السلم الجانبي قبل أن تصل القوات.
بقي كريم ملقى على الأرض، يحاول التقاط أنفاسه. تقدمتُ منه، لم أمد يدي لأساعده، بل وقفت فوق رأسه وقلت له: “سمعت بودني أهو.. كنت بتألف قصص عن نضافتي عشان تبتز أمي وتاخد فلوسها وتدفعها لتمن قذارتك؟”
بكى كريم كالأطفال: “كنت غرقان يا سارة.. الست دي وأخوها كانوا هيدمروا مستقبلي، كنت فاكر إن أمك معاها قرشين شايلهم للزمن، قلت أخليها تخاف عليكي وتدفعهم عشان أستر على نفسي وعليكي.”
قلت له بصوت يملؤه الاحتقار: “تستر على نفسك بإنك تفضحني؟ تستر على نفسك بإنك تخليني أعيش ٤ شهور فاكرة إني مش ست؟”
في تلك اللحظة، وصلت أمي. كانت تنهج بشدة، وجهها شاحب. نظرت لكريم الملقى على الأرض ثم نظرت لي. قالت وهي تبكي: “سامحيني يا بنتي.. أنا كنت فاكرة إني بحمي بيتك، هو قالي إن الفلوس دي عشان يفتح مشروع ويأمن مستقبلك ومستقبل العيال، وقالي إنه اشتكى مني عشان تروحي تقعدي عندي فترة لحد ما يخلص ‘المشروع’ ده.”
نظرت لأمي وقلت لها بمرارة: “المشروع كان خيانة يا أمي.. والفلوس كانت تمن سكوت.”
التفتُّ للمحامي وقلت له: “أنا عايزة أرفع قضية طلاق.. دلوقت حالاً.”
كريم انتفض من مكانه: “طلاق إيه يا سارة؟ والعيال؟ والديون اللي عليا؟ والوصلات؟”
قلت له ببرود قتل كل ما تبقى له من أمل: “الديون دي إنت اللي عملتها وإنت اللي تسدها.. أما العيال، فأنضف حاجة في حياتي هي إني هبعدهم عنك.”
وبينما كان المحامي يبدأ في تدوين البيانات، رن هاتف كريم الذي كان ملقى على الأرض.. كان رقم الست “إياها”. سحبتُ الهاتف، فتحت الخط، وقلت لها جملة واحدة: “الوصلات اللي معاكي.. بلّيها واشربي ميتها، لأن كريم دلوقت مابقاش حيلته مليم، ولا حتى بيت يلمّه.”
لكن الرد الذي جاءني من الطرف الآخر جعلني أتراجع خطوة للخلف.. الرد لم يكن تهديداً، بل كان حقيقة جديدة لم تكن في الحسبان.
**يتبع…**
## الجزء الثامن والأخير
ساد صمتٌ ثقيل في الردهة بينما كان رجال الشرطة يقتادون أخا تلك المرأة، الذي كان يصرخ بالوعيد والتهديد. وقف كريم محطمًا، ينظر إلى الوصلات التي في يد المحامي، ثم ينظر إليّ. كانت نظراته تتوسل غفرانًا لم يعد له مكان في قلبي.
وقعتُ أنا وكريم على الأوراق التي أعدها المحامي؛ تنازلٌ كامل عن الشقة، وإقرارٌ بحضانتي للأبناء، والتزامٌ بنفقة شهرية تضمن حياة كريمة لأحمد ومريم. في المقابل، تسلم كريم وصلات الأمانة التي كانت ستقلب حياته جحيمًا خلف القضبان.
قبل أن يخرج من باب البيت، التفت إليّ وقال بصوت مكسور: “هتقدري تسامحيني يا سارة؟ أنا عملت كل ده عشان أحافظ على بيتنا، حتى لو بطريقة غلط.”
نظرتُ إليه بهدوء، لم يعد هناك غضب، بل مجرد مسافة شاسعة وبرود يشبه الذي كان يعاملني به: “البيت اللي يتبني على كسر كرامة الست وذلها قدام أهلها عشان خاطر ‘ستر’ الراجل، مبيبقاش بيت يا كريم.. بيبقى سجن. إنت كنت خايف من سجن الحديد، بس إنت حبستني ٤ شهور في سجن الشك والقهر. روح يا كريم.. أنا مش محتاجة أسامحك، أنا محتاجة أنساك.”
خرج كريم، وأغلق الباب خلفه.. وشعرتُ كأن جبلًا انزاح عن صدري.
التفتُّ إلى أمي، كانت لا تزال جالسة تبكي بحرقة. اقتربتُ منها، جلستُ عند قدميها وأمسكتُ يدها. قالت وهي تشهق: “سامحيني يا بنتي.. أنا صدقته لما قالي إنك مهملة، وقلت في بالي لازم أقرص ودنك عشان الراجل ميبصش بره.. مكنتش أعرف إن ‘بره’ ده هو اللي سحبه.”
قلت لها برفق: “يا ماما، الست لما تتعب وتتبهدل مع عيالها، بتبقى محطة محتاجة راحة، مش محتاجة حد يهدمها. كان المفروض تسأليني: ‘تعبانة ليه؟’ مش تقول لي: ‘إنتي ريحتك وحشة’. الكلمة بتبني والكلمة بتهد.. وإنتي يا أمي، بكلامك ده، كنتي بتساعديه يهدني.”
ضمتني أمي إليها واعتذرت مرارًا، وفي تلك اللحظة، خرج أحمد ومريم وركضا نحو أحضاني.
**بعد مرور عام..**
أقف الآن أمام مرآتي، رائحة المسك تملأ الغرفة، وشعري مرتب، وهدومي نظيفة.. ليس لأنني أخشى “نظرة قرف” من أحد، بل لأنني أصبحتُ أحبُّ نفسي. افتتحتُ مشروعي الصغير من شقتي، وبدأتُ أعتمد على نفسي ماديًا، وأمي أصبحت هي السند الحقيقي الذي يساعدني في رعاية الصغار.
كريم يحاول التواصل من وقت لآخر لرؤية العيال، وأنا لا أمنعه، فهم ليس لهم ذنب، لكنه يظل بالنسبة لي ذكرى لدرسٍ قاسٍ تعلمتُ منه أنَّ النظافة الحقيقية هي نظافة القلب من الكذب، وأنَّ كرامة المرأة لا تُباع ولا تُشترى، حتى ولو كان الثمن “سترًا” كاذبًا.
دخلت مريم الغرفة وهي تضحك وتطلب “شوكولاتة”، حضنتها بقوة وأنا أبتسم.. لقد انتهت الحكاية، وبدأت حياتي أنا.
**تمت.**