طردتني في عز المطر

طردتني في عز المطر عشان “وشي نحس”، والجملة دي فضلت ترن في ودني وأنا ماشية في شوارع القاهرة الضلمة شايلة بنتي “فرحة” على ضهري، وكل خطوة بحطها كانت تقيلة كأني بشيل عمري كله فوق كتافي، والمطر كان بينزل علينا كأنه بيغسل وجعي بس الحقيقة إنه كان بيزوده، لأن البرد دخل في عظمي، وصوت بكاء فرحة كان بيكسر قلبي حتت صغيرة صغيرة، وأنا مش قادرة أعمل لها حاجة غير إني أضمها وأقولها “هتبقى كويسة يا حبيبتي” وأنا أصلاً مش مصدقة نفسي.

عدت الليلة دي تحت الكوبري، بين خوف وجوع وبرد، وكل دقيقة كنت بحس إني ممكن أنهار، بس كنت ببص لوش بنتي وأستحمل، لأن مكنش عندي رفاهية الانكسار، الصبح طلع وأنا شبه ميتة، بس قومت وقررت أشتغل أي حاجة، وفعلاً بدأت أغسل هدوم للناس، وأكنس، وأمسح، وأقبل أي كلمة مهينة مقابل شوية جنيهات أجيب بيهم أكل ودواء لفرحة، والناس كانوا بيبصوا لي بنظرة شفقة ممزوجة باحتقار، كأني بقيت كائن أقل منهم، بس كنت بسكت… لأن الجوع أقسى من الكرامة أوقات.

الأيام عدت ببطء، وكل يوم أصعب من اللي قبله، لحد اليوم اللي غير كل

حاجة، يوم ما العربية السوداء وقفت قدامي، الراجل نزل منها وبص لي بنظرة غريبة، كأنه شاف حلم قديم رجعله فجأة، ولما سألني عن اسمي وقلت “تهاني”، حسيت الدنيا سكتت لحظة، ولما وراني الصورة، إيدي اتهزت ووقعت الصابونة، لأن فعلاً الصورة كانت لواحدة شبهّي بشكل مرعب، نفس الملامح، نفس العيون، نفس التعب اللي مستخبي ورا النظرة.

وقبل ما أفهم أي حاجة، الشرطة وصلت، صوت صريخهم وتهديدهم خلاني أرجع خطوة لورا وأنا حضــ,,ـنة فرحة، والراجل كان بيبص لي بدموع وهو بيقول “أنا أبو…”، لكن الرصاصة قطعت الكلمة، وصوتها دوّى في المكان وخلا قلبي يقف لحظة، والناس اتلمت، وأنا مش فاهمة مين اتصاب، بس لما بصيت لقيت الراجل واقع على الأرض، والدم سايح من كتفه، مش مات… بس اتصاب.

الضابط جري عليه وكبّله، وأنا واقفة مصدومة، مش عارفة أهرب ولا أستنى، لحد ما الراجل بص لي وهو بيتسحب وقال بصوت مكسور: “أنا أبوكي يا تهاني… متخافيش.”

الجملة دي قلبت الدنيا جوايا، حسيت الأرض بتهتز، وكل اللي حواليا بقى مش واضح، أنا؟ بنت الراجل ده؟ طب إزاي؟ وليه؟ وفين كان طول

السنين دي؟ والشرطة بتقول عليه مجرم؟!

خدوه ومشيوا، وأنا فضلت واقفة مكاني، لحد ما واحدة ست كانت واقفة قالت لي إن الراجل ده اسمه “شريف الدمنهوري”، واحد من أكبر رجال الأعمال في مصر، واختفى من سنين واتقال عليه كلام كتير، بين إنه هرب بفلوس، أو اتظلــ,,ـم واتلفق له قضايا.

الكلام دخل في دماغي زي الدخان، ومكنتش قادرة أستوعب، بس حاجة جوايا قالت لي إن اللي حصل مش صدفة، وإن حياتي اللي كانت تحت الكوبري ممكن تكون بداية لحاجة أكبر.

بعد يومين، لقيت واحد لابس بدلة جاي لي، سأل عليّ بالاسم، واداني كارت وقال لي إن “أستاذ شريف” طالب يشوفني، وإنه دلوقتي في مستشفى تحت حراسة مشددة، قلبي كان بيدق بسرعة، بس روحت.

أول ما دخلت عليه، كان تعبان، بس أول ما شافني، ابتسم، ابتسامة فيها وجع سنين، وقال: “وحشتيني يا بنتي.”

وقتها دموعي نزلت غصب عني، وقعدت قدامه وأنا تايهة، وسألته: “إزاي أنا بنتك؟ وسيبتني ليه؟”

ابتدى يحكي، قال إن أمي كانت شغالة عنده، واتجوزها عرفي زمان بسبب رفض عيلته، ولما اتولدت، حصلت مشاكل كبيرة، واتهدد إنهم ياخدوني

منه، فاضطر يبعدني ويحطّني عند عيلة تانية مقابل فلوس عشان أعيش بأمان، لكنه اتغدر بيه، والناس اللي سلمهم لي اختفوا، ومن ساعتها وهو بيدور عليّ سنين طويلة.

وقال إن القضايا اللي عليه ملفقة من شركاءه اللي خانوه وسرقوا فلوسه، وهو بيحاول يثبت براءته، ولما شافني صدفة، حس إن الدنيا رجعت له.

الكلام كان تقيل، بس قلبي صدّقه، يمكن لأني كنت محتاجة أصدق إن ليا حد في الدنيا، وإن حياتي مش كلها وجع وخسارة.

ومن اللحظة دي، كل حاجة بدأت تتغير، محاميين كبار دخلوا القضية، واتفتح التحقيق من جديد، واتثبت إن شريف كان مظلوم، واللي خانوه اتحبسوا، وهو خرج براءة.

وأنا… بقيت “تهاني الدمنهوري”.

نقلت أنا وفرحة لبيت كبير، أول مرة أنام فيه من غير خوف، وأول مرة بنتي تضحك من قلبها، وأول مرة أحس إني إنسانة ليها قيمة.

أما سعد… لما عرف الحقيقة، حاول يرجع، وقف قدام الفيلا مستني، بس لما شفته، افتكرت الليلة اللي طردني فيها وسابني أواجه الدنيا لوحدي، فبصيت له بهدوء وقلت: “أنا مِتّ يوم ما سيبتني، واللي قدامك دي واحدة جديدة… متعرفكش.”

وقف

ساكت، ومشي.

وحماتي؟ لما سمعت، جت تبكي

وتعتذر، بس قلبي كان اتعلم، والجرح اللي اتفتح وقتها كان أكبر من أي كلمة “سماح”.

حضــ,,ـنت فرحة، وبصيت للسما، وافتكرت المطر الليلة دي، وابتسمت، لأن نفس المطر اللي كان شاهد على كسرتي… كان بداية حكايتي الجديدة.

افتكرت إني لما قفلت باب الماضي ورايا وقلت إن كل حاجة انتهت، الحياة ابتدت تختبرني من جديد بس بشكل مختلف خالص، لأن المرة دي مكنتش تهاني اللي بتترمي في الشارع، لكن تهاني اللي بقى اسمها بيثير الانتباه، واللي كل عين بقت تراقبها… وده كان أصعب بكتير مما تخيلت، لأن الفقر بيوجع الجسد، إنما الغِنى بيكشف كل اللي حوالينك.

بعد ما بابا—أيوه، ابتديت أقولها بصعوبة في الأول—رجع اسمه واتبرأ، الدنيا كلها بقت تتكلم عنه، وكل يوم أخبار، وكل يوم ناس بتيجي، بس أنا كنت شايفة حاجة تانية خالص في عينه… وحدة تقيلة، وندم سنين، وكان بيحاول يعوض ده كله فيا وفي فرحة، بطريقة ساعات كانت بتوجعني أكتر ما بتفرحني، لأنه كان بيشتري كل حاجة، إلا اللي فات.

بدأت أتعلم أعيش في العالم الجديد ده، لبس مختلف، كلام مختلف، حتى طريقة

المشي لازم تبقى محسوبة، بس جوايا كنت لسه نفس الست اللي نامت تحت الكوبري، وكل ما أبص في المراية، كنت بسأل نفسي: “هو أنا مين بجد؟”

وفرحة… كانت أسرع مني بكتير، ضحكتها رجعت، بقت تجري في الجنينه وتضحك بصوت عالي، بس في بعض الليالي كانت بتصحى مفزوعة، تقول لي: “ماما هو إحنا هنرجع تحت الكوبري تاني؟” وساعتها كنت بحضــ,,ـنها جامد وأقول لها “لا يا حبيبتي، خلاص… خلاص كده”، بس جوايا مكنتش واثقة 100%.

وفي يوم، وأنا قاعدة مع بابا في مكتبه، دخل واحد من المحامين وقال إن في حد طالب يقابلني ضروري، وبإصرار غريب، استغربت، بس وافقت، ولما خرجت للجنينة… شفته.

سعد.

واقف متردد، هدومه مش نضيفة زي زمان، وشه تعبان، وعينه فيها ندم باين، أول ما شافني قرب خطوة وقال: “تهاني… أنا غلطت.”

سكت… لأن الكلمة دي كنت مستنياها زمان، بس لما جات، محركتش فيا حاجة.

قال وهو صوته بيتهز: “أنا كنت ضعيف… أمي كانت مسيطرة عليّ، وأنا خفت… بس والله ندمت، وكل يوم بفتكر اللي عملته فيكي.”

بصيت له شوية، وبعدين قلت بهدوء: “فاكر الليلة؟ لما بنتك

كانت سخنة، وأنا كنت برجف؟ فاكر لما سيبتنا؟”

نزل عينه وسكت.

قربت خطوة وقلت: “أنا سامحتك… بس مش هرجعلك.”

الكلمة نزلت عليه زي الصدمة، بس كانت الحقيقة، لأن في حاجات لو اتكسرت، بتتصلح… وفي حاجات بتفضل مشروخة للأبد.

سابني ومشي، وأنا حسيت براحة غريبة، كأني قفلت باب كان مفتوح جوايا من زمان.

لكن اللي مكنتش أعرفه… إن ده مكنش آخر ظهور له.

بعدها بأيام، بدأت ألاحظ حاجة غريبة، ناس بتبص عليّ في الأماكن العامة، عربية سودة بتمشي ورايا، مكالمات بتقفل أول ما أرد، قلبي ابتدى يقلق، خصوصاً لما بابا بقى مشغول في شغل كبير بيحاول يرجع فيه كل اللي ضاع منه.

وفي ليلة، وأنا نايمة، صحيت على صوت حركة في الجنينة، قومت بهدوء وبصيت من الشباك… ولقيت شخص واقف تحت، بيبص لفوق.

قلبي دق بسرعة، لكن لما ركزت… اتصدمت.

سعد تاني.

بس المرة دي، شكله مش طبيعي، عينه فيها خوف حقيقي، وأول ما شافني، أشار لي بإيده إني أنزل.

كنت خايفة، بس إحساس غريب خلاني أنزل.

أول ما قربت، قال بسرعة وهو بيبص حواليه: “اسمعيني كويس… حياتك في خطر.

اتجمدت مكاني.

قال: “في ناس كبار… هم اللي لبسوا أبوكي القضايا زمان، وهم نفسهم اللي بيحاولوا يخلصوا منه دلوقتي… وإنتي نقطة ضعفه.”

قلت له وأنا بتوتر: “إنت عرفت الكلام ده منين؟”

اتردد لحظة… وبعدين قال: “عشان أنا اشتغلت معاهم.”

الكلمة وقعت عليّ زي الصاعقة.

كمل بسرعة: “بس لما عرفت إن الهدف إنتي وبنتي… مقدرتش أكمل، جيت أحذرك.”

في اللحظة دي، صوت عربية وقف قدام الفيلا، وسعد بص ووشه اصفر وقال: “جُم!”

وقبل ما أفهم، مسكني من إيدي وقال: “ادخلي بسرعة… ومتأمنيش لأي حد!”

جري واختفى، وأنا واقفة مش قادرة أستوعب.

ومن الليلة دي… حياتي اتقلبت تاني، بس المرة دي الخطر كان أكبر، لأن اللعبة بقت مش بس فلوس أو ماضي… دي بقت حياة أو مــ,,ـوت.

وبين الحقيقة والكذب، وبين ناس بتقرب وناس بتخون، لقيت نفسي قدام اختيار صعب… يا إما أهرب وأعيش خايفة طول عمري، يا إما أواجه وأعرف مين اللي بيحاول يدمر كل حاجة.

بصيت لفرحة وهي نايمة بسلام، وقلت لنفسي: “المرة دي… مش ههرب.”

لأن تهاني اللي كانت بتترمي في الشارع ماتت خلاص…

واللي عايشة دلوقتي، مستعدة تحارب عشان تحمي اللي فاضل لها من الدنيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0