مسحت دمعة هربت من عينها غصب عنها وكملت: “أنا مابعتش الورشة بس.. أنا بعت عمري، بعت حقي في الجواز والخلفة، بقيت مجرد آلة شغالة ليل نهار عشان أسدد أمانة أبوكم وأخليكم ‘بني آدمين’. ولما كبرتوا وبقيتوا ‘بشوات’، استعريتوا مني، وجيتوا تبيعوني للغريب عشان تداروا عاركم قدام نسايبكم!”
شوقي المقاول لم ورقه بسرعة وهو بيعتذر بصوت واطي وانسحب زي الحرامي، مش عايز أي شوشرة ولا مصيبة توصله بعاصم بيه.
حازم حاول يستوعب الموقف، قرب من زينب وقال بنبرة فيها انكسار مزيف: “يا زينب إحنا مكنش قصدنا.. إحنا بس كنا خايفين عليكي من
قعدة الحارة و…” بس قبل ما يكمل كدبته، صوت فرامل عربية فخمة جداً زمرت بره الورشة. الباب الخشب القديم اتفتح بهدوء، ودخل راجل في أواخر الستينات، هيبته تملى المكان، لابس بدلة راقية ووراه حارسين. كان “عاصم بيه الرشيدي” بشحمه ولحمه!
طارق وحازم اتسمروا مكانهم ومابقوش قادرين ياخدوا نفسهم. عاصم بيه بص لزينب بنظرة كلها احترام وتقدير، وبعدين حول نظره المرعب لإخواتها، وطلع من جيب الجاكيت ملف أحمر صغير ورماه على ترابيزة الخياطة.
وقال بصوت رجّ المكان: “أنا ساكت ومراقبكم من سنين احتراماً للست الأصيلة دي.. بس لحد هنا وكفاية. اللي في الملف ده هيخليكم تتمنوا إن الأرض تتشق وتبلعكم النهارده قبل بكرة!”
تفتكروا الملف ده فيه إيه؟ وإيه المفاجأة اللي عاصم بيه محضرها لحازم وطارق وهتخليهم يركعوا على رجليهم يبوسوا إيد زينب عشان تسامحهم؟
“الملف الأحمر اللي كسر غرور البشوات.. و’الخياطة’ اللي بقت صاحبة الملايين!”
الصمت في الورشة كان يوجع الودان. عيون حازم وطارق متثبتة على الملف الأحمر اللي رماه “عاصم بيه” على ترابيزة الخياطة المتهالكة، كأنه قنبلة موقوتة.
عاصم بيه قعد على الكرسي الخشب القديم بكل هيبة، وشاور للحارس بتاعه يفتح
الملف. طلع منه ورق متدبس، ورماه قدامهم على الأرض.
”تفتكروا عيادتك اللي في المهندسين يا دكتور حازم، ومكتب المقاولات بتاعك في التجمع يا باشمهندس طارق، جم منين؟” عاصم بيه قالها بنبرة فيها سخرية لاذعة، “بشطارتكم؟ بتعبكم؟ ولا بنسبكم الجديد اللي بتتفشخروا بيه؟”
طارق بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مهزوز: “إحنا.. إحنا خدنا قروض من البنك وبدأنا من الصفر.”
عاصم بيه ضحك بصوت عالي، ضحكة رعبت الاتنين: “قروض! البنوك مابتديش ملايين لشباب لسه متخرجين معندهمش ضمانات يا باشمهندس. الضامن الوحيد ليكم كان ‘أنا’. أنا اللي اشتريت المستشفى اللي فيها عيادتك يا دكتور، وأنا الممول الخفي لشركة المقاولات اللي إنت شريك فيها بالاسم بس!”
الصدمة نزلت عليهم زي مية مغلية. حازم وشه جاب ألوان ووقع على ركبه وهو بيبص للورق اللي عليه توقيعات عاصم بيه.
عاصم كمل كلامه، بس المرة دي وعينه على زينب اللي كانت واقفة بتسمع ومذهولة زيهم: “من ١٥ سنة، لما أختكم رفضت تاخد مني مليم صدقة أو إحسان، ووافقت بس إني أشتري الورشة حق انتفاع عشان تسدد ديون أبوكم، أنا حلفت إني هقف في ضهرها. كنت براقبكم بتكبروا، ولما احتجتوا فلوس عشان تبدأوا حياتكم،
أنا اللي دخلت كشريك خفي. كنت فاكركم هتصونوها وتشيلوها فوق راسكم لما تكبروا.. بس للأسف، إنتوا طلعتوا ‘قشرة’، اتكسفتوا من اللي شقيت عشان تبقوا بني آدمين!”
عاصم بيه وقف، وضرب بعكازه على الأرض بقوة: “أنا من بكرا الصبح، هسحب كل استثماراتي. المستشفى هتتباع، والشركة هتتصفى. هترجعوا للصفر اللي بدأتوا منه، بس المرة دي من غير الست الأصيلة اللي كانت سنداكم.”
هنا طارق وحازم انهاروا تماماً. الغرور، البدل الغالية، البريستيج.. كله اتمسح. زحفوا على ركبهم لحد رجلين زينب، وحازم بيبكي زي العيل الصغير: “أبوس إيدك يا زينب ارحمينا.. شقانا ومستقبلنا هيضيع.. عيالنا هيتشردوا.. إحنا لحمك ودمك!”
طارق بيبوس في إيدها التانية: “غلطنا يا أختي.. الكبرياء عمانا.. سامحينا والنبي وكلمي عاصم بيه.”
زينب بصت ليهم، ولأول مرة الدموع تنزل من عينيها. مش دموع ضعف، دي دموع قهر على الأخوة اللي ماتت، وعلى السنين اللي راحت في حضن ناس مابتقدرش. سحبت إيديها منهم بقوة، ومسحت دموعها ب كم عبايتها.
بصت لعاصم بيه وقالت بصوت هادي بس يقطع في الصخر: “عاصم بيه.. أنا طول عمري عايشة بكرامتي، وماربتش إخواتي عشان يبقوا شحاتين.. حتى لو بيشحتوا
مني.”
رفعت الورق من على الأرض، وقطعته حتت صغيرة ورمته في وشهم، وكملت: “أنا متنازلة عن أي حق ليا في شركاتكم وعياداتكم. خدوا فلوسكم وخدوا مراكزكم، أنا مش محتاجة منكم حاجة. بس من اللحظة دي.. أنا مليش إخوات. الورشة دي هي عيلتي، والمكنة دي هي اللي بتسترني. اطلعوا برا وماتورونيش وشكم تاني!”
حازم وطارق وقفوا مكسورين، أذلاء، خدوا بعضهم وخرجوا من الورشة وهما عارفين إنهم خسروا أغلى وأطهر حاجة في حياتهم.. خسروا ظهرهم اللي كان سادد عنهم بلاوي الدنيا.
عاصم بيه ابتسم لزينب ابتسامة كلها فخر وقالها: “الأصيل بيفضل أصيل يا زينب. بس الورشة دي خلاص كدة دورها انتهى. أنا بفتح أكبر مصنع ملابس جاهزة في العاشر من رمضان، ومفيش حد أثق فيه يمسك إدارة المصنع ده، ويدرب العمال على ‘الأمانة والنفسية النظيفة’ غيرك. إيه رأيك يا ست البنات؟”
زينب بصت للمكنة القديمة، وابتسمت لأول مرة من سنين ابتسامة صافية، ومسكت مقصها وقالت: “نتوكل على الله يا بيه.. الشقى مابيعيبش، اللي يعيب هو قلة الأصل!”
تمت بحمد الله…
إيه رأيكم في تصرف زينب مع إخواتها؟ هل العفو عند المقدرة كان صح، ولا كانوا يستاهلوا يرجعوا للصفر ويخسروا كل حاجة
عشان يتربوا؟