. شالني ودخل بيا الطوارئ وهو بيعيط وبيمثل دور البطل المنهار: “العربية اتزحلقت بينا من المطر!”. كان فاكر إنه حبك الخطة صح، بس أول ما جراح الطوارئ شاف الكسور القديمة في ضلوعي، ملامحه اتحولت لتلج. مسألنيش ولا سؤال.. بص في عين حسين وقال جملة واحدة ولعت في حياته كلها وودته ورا الشمس…
أنا عشت خمس سنين مسجونة في قفص نفسي متغطي بقناع الجواز المثالي. حسين كان ظابط في المطافي ومشهور في منطقتنا بـ “الرجل الشهم”.
بس ورا الأبواب المقفولة، إيده اللي المفروض تحميني كانت سلاح ضدي. أول ما حملت، الحصار زاد أكتر. كنت بلبس هدوم شتوي طويلة وواسعة عشان أداري الشفايف المتفتحة والضلوع المكسورة. كنت محبوسة مع وحش بيفرغ “ضغط الشغل” فيا بالضرب.
القشة اللي قطمت ضهر البعير كانت يوم خميس ممطر. حسين هجم عليا وحدفني بكل قوته على رخام المطبخ، وصوابعه غرزت في دراعي لدرجة كنت حاسة إن عضمي بيتكسر.
لما شاف العلامات الزرقاء مكان صوابعه بدأت تظهر فوراً، وشه جمد. عرف إن المرة دي مفيش هدوم هتداري الجريمة دي.
راح مخترع “تمثيلية” بشعة. جرجرني على العربية، وساق بأقصى سرعة على طريق زلق، وفجأة كسر الدريكسيون وقصد يلبسنا في منحدر طيني.
كنت بغيب عن الوعي وأفوق تحت المطر والتلاجة. ولما
الإسعاف وصلت بيا باب الطوارئ، كان حسين بدأ “العرض” بتاعه بمنتهى الإتقان.
قعد يصرخ في المسعفين وهو ماسك إيدي.. ضغطة إيده كانت تهديد صامت ومميت ليّا. قعد يصوت: “العربية لفت بينا من المطر! خبطت في التابلوه! أبوس إيديكم أنقذوا مراتي وابني!”
دخل الدكتور “عصام”، وبدأ يكشف عليا بدقة وهدوء. اطمن على نبض الجنين، وبعدين بدأ يرفع كمومي المقطوعة براحة.
عينيه ثبتت على علامات الصوابع الزرقاء اللي مرسومة بدقة على دراعي. وبعدين بص في الأشعة اللي لسه طالعة، واكتشف تلات كسور قديمة في ضلوعي ملحومة بشكل غلط.
وش الدكتور اتحول لِحجر. مبصليش ولا سألني حتى إيه اللي حصل.
بص في عين “رجل المطافي البطل” بكل غل، وبص لفريق التمريض اللي معاه، واداله “رصاصة الرحمة” بالجملة دي:
”اقفلوا الجناح ده فوراً.. بلغوا الأمن.. واطلبوا الشرطة حالاً!”
الشرطة وصلت في أقل من عشر دقايق. المستشفى كلها كانت مقلوبة، وحسين واقف في نص الطرقة وشه جايب ألوان، بيحاول يمثل الثبات الانفعالي اللي اتعلمه في شغله: “يا دكتور أنت فاهم غلط، دي واقعة من على السلم من أسبوعين.. أنا ظابط ومقدرش أذّي مراتي!”
الدكتور عصام مقطعهوش، سابه يكمل كذبه وهو بيبص له بنظرة احتقار خلت حسين يترعش لأول مرة. الدكتور قرب
منه ووشوشه بصوت واطي لكنه زي السكين: “علامات صوابعك لسه مطبوعة على دراعها يا سيادة الظابط، والكسور القديمة بتقول إن ده مش حادثة.. ده شروع في قتل.”
في اللحظة دي، دخلوا اتنين أمناء شرطة وكلبشوا إيده. المنظر كان صدمة لكل الموجودين، “البطل الهمام” اللي كان لسه شايل مراته بين إيديه، خارج دلوقتي والكلبشات في إيده وراسه في الأرض.
أنا اتنقلت أوضة الرعاية المركزة. كنت حاسة إني في حلم.. أو كابوس طويل وأخيراً بدأت أفوق منه. الممرضة “هناء” كانت قاعدة جنبي، ماسكة إيدي وبتقولي: “متخافيش يا سارة، أنتِ وابنك في أمان دلوقتي. المحضر اتعمل، والتقرير الطبي اتسلم للنيابة.”
بعد يومين.. المواجهة الصعبة
حسين مسبنيش في حالي، بعت لي محاميه الخاص “أستاذ فريد”. دخل عليا الأوضة بابتسامة صفراء ودوسيه في إيده: “يا مدام سارة، حسين نادم جداً، وابنك محتاج أب. لو اتنازلتي عن المحضر، هيطلقك بالمعروف وهيكتب لك الشقة باسمك، وهيدفع نفقة خيالية. بلاش تخربي مستقبله.. ده راجل ليه وضعه.”
بصيت للمحامي، وجمعت كل قوتي اللي حسين حاول يكسرها سنين: “قول لموكلك إن ابني محتاج يعيش مع ‘بني آدم’ مش مع وحش. ومستقبله اللي خايف عليه هو اللي ضيعه بإيده يوم ما فكر يمد إيده على واحدة حامل. الورق
اللي معاك ده يترمى في الزبالة.”
المفاجأة الصادمة
لما بدأت أتعافى، اكتشفت إن حسين مكنش بس بيضربني، ده كان بيستغل اسمي وتوقيعي وأنا تحت تأثير الصدمات والتعب عشان ياخد قروض بضماني ويشغلها في تجارات مشبوهة. النيابة استدعتني، واكتشفت إن عليا مبالغ ضخمة لولا إن المحامي اللي عينته لي “جمعية حقوق المرأة” قدر يثبت إن التوقيعات دي تمت بالإكراه وتحت التهديد.
حسين في السجن بدأ ينهار، زمايله في الشغل اتبروا منه، وسجله “المثالي” اتمسح وبقى “المسجون رقم ٤٠٧”.
النهاية السعيدة
بعد شهور من القضايا والمحاكم، ربنا كرمني بـ “ياسين”. طفل ملامحه هادية، مخدش من أبوه غير الاسم بس. يوم ما صدر الحكم على حسين بالسجن ٧ سنين مع الشغل والنفاذ، كنت واقفة قدام المحكمة، شايلة ابني وببص للسما.
حسيت إن الهوا لأول مرة بيدخل صدري من غير وجع. كسور ضلوعي لمّت، وجروح روحي بدأت تدبل وتختفي. القصة مكنتش بس عن حادثة عربية، كانت عن ست قررت إنها متكونش ضحية لآخر العمر.
دلوقتي، أنا رجعت لشغلي في التمريض، بس المرة دي أنا اللي بساعد الستات اللي بيجوا الطوارئ وعينيهم فيها نفس نظرة الرعب اللي كانت في عيني. بقيت بقولهم جملة واحدة: “متخافيش.. الصوت العالي والضرب مش قوة، القوة الحقيقية إنك
تقولي ‘لأ’ وتعيشي بكرامتك.”